زم شفتيه ليقبل المولود الجديد لكن أمه تحتضنه كأنه ابنها الوحيد، تقبله و ترضعه و تلمس شعرات رأسه البسيطة بأطراف أصابع يملؤها الحنان. زم شفتيه يحاول أن يلثم تلك الرأس ذات الشعرات القليلة. تأبي أمه أن يلمس طفلها أنسي غيرها فهي الان تمنح وليدها الحماية و الأمان الفسيولوجي و المعنوي. أو لعلها هي التي تستمد منه شيئاً روحياً فقد شقت تسعة أشهر كاملين لتخرج هذه المعجزة للوجود. لعلها تحاول أن تتأمل جائزتها و تتصافي معها و تحدثها عن أحوال الحامل و مزاجها المتقلب و هرموناتها الفائرة و ألام المخاض و تنازلاتها المادية و الأدبية في عملها. فها هي حضرة المديرة الأشهر من نار على علم التي بمجرد ظهور اسمها في بريد إلكتروني أو على رأس قائمة الحاضرين لإجتماع أو حتى كمتصلة على هاتف. ترتعد لها فرائص أصحاب الشنبات. ها هي بعد كل ذلك تتحول لإمرأة حامل ها هي تسقط من كونها إلهة إلى انسانة! عجبي على بشر هذا الزمان يعتقدون أنهم احرار و متقدمون و يتهكمون من المرأة الحامل، ينكرون عليها عظمتها و إصطفاء الخالق لها لتصبح سر الوجود في إستمرار الحياه. منذ فجر التاريخ و الامومة تأله و لكن يأتي انسان القرن الواحد و العشرين ليعكس الأية ليصبح الضعف و التجرد من الامومة و الأنوثة هو القوة.
شعر الأم يسقط ليغطي المولود الجديد فترجعه خلف أذنها و تبتسم لوليدها.
يزم شفتيه و يقترب فيحول أن يقبل قطعة اللحم تلك التي لها فم ملتصق بصدر أمه، هو لا يعي مدى هشاشته و ضعفه، لا يعلم كم احتياجه لتلك الانسانة التي جلبته للحياة. هو لا يعرف شيئاً على الإطلاق، هو يشعر فقط! يشعر بحرارة هذا الوهج المنبعث بين هذين المخلوقين أمامه لعلها غريزته الحيوانية هي التي تعلم أن هذا الصغير من دمه لعل تعابير وجه أمه المرتاحه و السعيدة هي من شدة لمصدر تلك الحاله.
على الرغم من سنواته الاثنين فإنه يشاركهم تلك اللحظة بكل حواسه. كلماته المعدودة لا تسعفه ليسأل لماذا يشاركه هذا الصغير صدر أمه؟ لماذا أصبح مباحاً له بعد أن حرم عليه؟ لماذا كل تلك السعادة التي يشعر بها؟ لماذا كل الشوق لإنتزاع تلك القبلة الأولى؟ لماذا يشعر بالحماس؟ لا يعرف أي شيء و لكنه فقط يشعر!
تفيق الأم من مناجاتها الصماء لوليدها. لغة العيون قد باحت بكل سر و قالت كل الكلام و حكت كل التاريخ. حدثت الصغير عن المرأة الحديدية ذلك الصنم الذي يصنعه الرجال لأي أنثى مجتهدة و ناجحة.
حكت عن فخرها بأمومتها. حكت عن عشقها لأبيه ذلك الشخص الوحيد القادر على أن يشعرها بالأمان. ذلك الرجل الذي يصدق الوعد و يتطهر من كل رجس، هو أقرب إلى الملائكة في صفاء قلبه و عشقه العذري أو لعل كل الرجال حقاً ملائكة ربما هذا السبب في ندرتهم. حكت عن تلك الليلة الحميمة التي كانت السبب في وجوده، كيف كانت دافئة بالرغم من سقيع الشتاء. يقولون الحب يصنع المعجزات و ها هي معجزة حبها بين ذراعيها.
تتناول الأم طفليها بين ذراعيها و تلثمهما. تحتضنهم و كأنهم كنزها الوحيد في هذه الدنيا فلا المال و لا المناصب يساوا شيئاً إذا وضعوا في كفة أمام هذين المعجزتين. معجزتي الحب!
المولود الجديد